محمد الغزالي
32
خلق المسلم
وحدث أن يهوديا كان له دين على النبي ، فجاء يتقاضاه قائلا : إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل ! ! فرأى عمر بن الخطاب أن يؤدّب هذا المتطاول على مقام الرسول ، وهمّ بسيفه ، يبغي قتله . لكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أسكت عمر قائلا : « أنا وهو أولى منك بغير هذا : تأمره بحسن التقاضي ، وتأمرني بحسن الأداء » . وقد أمر الإسلام بالعدل ولو مع فاجر أو كافر . قال عليه الصلاة والسّلام : « دعوة المظلوم مستجابة ، وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه » « 1 » . وقال : « دعوة المظلوم - وإن كان كافرا - ليس دونها حجاب . دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 2 » . وبهذه النصوص ، منع الإسلام أبناءه أن يقترفوا أية إساءة ، نحو مخالفيهم في الدين . ومن آيات حسن الخلق مع أهل الأديان الأخرى ، ما ورد عن ابن عمر : أنه ذبحت له شاة في أهله ، فلما جاء قال : أهديتم لجارنا اليهودي ؟ أهديتم لجارنا اليهودي ؟ . سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » « 3 » . وكذلك أمر الإسلام أن يصل الإنسان رحمه ، ولو كفروا بدينه الذي اعتنقه ، فإن التزامه للحق لا يعني المجافاة للأهل وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 4 » . * * * ذلك من الناحية الشخصية . أما من الناحية العامة ، فقد قرر الإسلام أن بقاء الأمم وازدهار حضارتها ، واستدامة منعتها ، إنما يكفل لها ، إذا ضمنت حياة الأخلاق فيها ، فإذا سقط الخلق سقطت الدولة معه . .
--> ( 1 ) أحمد . ( 2 ) أحمد . ( 3 ) البخاري . ( 4 ) لقمان : 15 .